أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ
زاد المسير - (ج 1 / ص 24)
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)
قوله تعالى : { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } .
في نزولها ثلاثة أقوال . أحدها : أنها نزلت في جميع الكفار ، قاله ابن مسعود ، وابن عباس . والثاني : أنها في أهل الكتاب ، قاله قتادة والسدي ومقاتل . والثالث : أنها في المنافقين ، قاله مجاهد . واشتروا : بمعنى استبدلوا ، والعرب تجعل من آثر شيئاً على شيء مشترياً له ، وبائعاً للآخر ، والضلالة والضلال بمعنى واحد .
وفيها للمفسرين ثلاثة أقوال .
والثاني : أنها الشك ، والهدى : اليقين .
والثالث : أنها الجهل ، والهدى : العلم .
وفي كيفية استبدالهم الضلالة بالهدى ثلاثة أقوال . أحدها : أنهم آمنوا ثم كفروا ، قاله مجاهد . والثاني : أن اليهود آمنوا بالنبي قبل مبعثه ، فلما بعث كفروا به ، قاله مقاتل . والثالث : أن الكفار لما بلغهم ما جاء به النبي من الهدى فردوه واختاروا الضلال ، كانوا كمن أبدل شيئا بشيء ، ذكره شيخنا علي بن عبيد الله .
قوله تعالى : { فما رَبحَتْ تِجارَتُهم } .
من مجاز الكلام ، لأن التجارة لا تربح ، وإنما يربح فيها ، ومثله قوله تعالى : { بل مكر الليل والنهار } [ سبأ : 33 ] يريد : بل مكرهم في الليل والنهار . ومثله { فاذا عزم الأمر } [ محمد : 21 ] أي : عزم عليه . وأنشدوا :
حارثُ قد فرَّجْتَ عني همي ... فنام ليلي وتجلى غمّي
والليل لا ينام ، بل ينام فيه ، وإِنما يستعمل مثل هذا فيما يزول فيه الإِشكال ، ويعلم مقصود قائله ، فأما إذا أضيف إلى ما يصلح أن يوصف به ، وأريد به ما سواه ، لم يجز ، مثل أن تقول : ربح عبدك ، وتريد : ربحت في عبدك . وإلى هذا المعنى ذهب الفراء وابن قتيبة والزجاج .
قوله تعالى : { ومَا كانوا مُهتَدين } .
فيه خمسة أقوال . أحدها : وما كانوا في العلم بالله مهتدين . والثاني : وما كانوا مهتدين من الضلالة . والثالث : وما كانوا مهتدين إلى تجارة المؤمنين . والرابع : وما كانوا مهتدين في اشتراء الضلالة . والخامس : أنه قد لا يربح التاجر ، ويكون على هدىً من تجارته ، غير مستحق للذم فيما اعتمده ، فنفى الله عز وجل عنهم الأمرين ، مبالغة في ذمهم .
النكت والعيون - (ج 1 / ص 21)
قوله عز وجل : { أُولَئِكَ الِّذِينَ اشْتَرَوا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ } الضلالة : الكفر ، والهدى : الإيمان .
وفي قوله : { اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ } ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه على حقيقة الشراء فكأنهم اشتروا الكفر بالإيمان .
والثاني : أنه بمعنى استحبوا الكفر على الإيمان ، فعبر عنه بالشراء ، لأن الشراء يكون فيما يستحبه مشتريه ، فإما أن يكون على معنى شراء المعاوضة فعلاً ، لأن المنافقين لم يكونوا قد آمنوا ، فيبيعوا إيمانهم .
والثالث : أنه بمعنى أخذوا الكفر وتركوا الإيمان ، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود .
{ فَمَا رَبِحَت تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : وما كانوا مهتدين ، في اشتراء الضلالة .
والثاني : وما كانوا مهتدين إلى التجارة التي اهتدى إليها المؤمنون .
والثالث : أنه لما كان التاجر قد لا يربح ، ويكون على هدى في تجارته نفى الله عنهم الأمرين من الربح والاهتداء ، مبالغة في ذمهم .
تفسير مقاتل - (ج 1 / ص 13)
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)
ثم ضرب الله للمنافقين مثلاً ، فقال عز وجل : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ } طفئت ناره ، يقول الله عز وجل : مثل المنافق إذا تكلم بالإيمان كان له نور بمنزلة المستوقد ناراً يمشى بضوئها ما دامت ناره تتقد ، فإذا ترك الإيمان كان فى ظلمة كظلمة من طفئت ناره ، فقام لا يهتدى ولا يبصر ، فذلك قوله سبحانه : { ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ } ، يعنى بإيمانهم ، نظيرها فى سورة النور : { وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } [ النور : 40 ] ، يعنى به الإيمان ، وقال سبحانه فى الأنعام : { وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي الناس } [ الأنعام : 122 ] ، يعنى يهتدى به الذين تكلموا به ، { وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ } ، يعنى الشرك ، { لاَّ يُبْصِرُونَ } [ آية : 17 ] الهدى .
النكت والعيون - (ج 1 / ص 22)
وله عز وجل : { ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ } فيه وجهان :
أحدهما : نور المستوقِد ، لأنه في معنى الجمع ، وهذا قول الأخفش .
والثاني : بنور المنافقين ، لأن المثل مضروب فيهم ، وهو قول الجمهور .
وفي ذهاب نورهم وجهان :
أحدهما : وهو قول الأصم ذهب الله بنورهم في الآخرة ، حتى صار ذلك سمةً لهم يُعْرَفُونَ بها .
والثاني : أنه عَنّى النور الذي أظهروه للنبي صلى الله عليه وسلم من قلوبهم بالإسلام . وفي قوله : { وَتَرَكَهُمْ في ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ } قولان :
أحدهما : معناه لم يأتهم بضياء يبصرون به .
والثاني : أنه لم يخرجهم منه ، كما يقال تركته في الدار ، إذا لم تَخرجْهُ منها ، وكأنَّ ما حصلوا فيه من الظلمة بعد الضياء أسوأ حالاً ، لأن من طُفِئَت عنه النار حتى صار في ظلمة ، فهو أقل بصراً ممن لم يزل في الظلمة ، وهذا مَثَل ضربه الله تعالى للمنافقين .
وفيما كانوا فيه من الضياء ، وجعلوا فيه من الظلمة قولان :
أحدهما : أن ضياءهم دخولهم في الإسلام بعد كفرهم ، والظلمة خروجهم منه بنفاقهم .
والثاني : أن الضياء يعود للمنافقين بالدخول في جملة المسلمين ، والظلمة زوالُهُ عنهم في الآخرة ، وهذا قول ابنِ عباسٍ وقتادةَ .
قوله تعالى : { صَمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } وهذا جمع : أصم ، وأبكم ، وأعمى ، وأصل الصَّمَمُ الإنسداد ، يقال قناة صماء ، إذا لم تكن مجوفة ، وصممت القارورة ، إذا سددتها ، فالأصم : من انسدَّتْ خروق مسامعه .
أما البَكَمُ ، ففيه أربعة أقاويل :
أحدها : أنه آفة في اللسان ، لا يتمكن معها من أن يعتمد على مواضع الحروف .
والثاني : أنه الذي يولد أخرس .
والثالث : أنه المسلوب الفؤاد ، الذي لا يعي شيئاً ولا يفهمه .
والرابع : أنه الذي يجمع بين الخَرَس وذهاب الفؤاد .
ومعنى الكلام ، أنهم صمٌّ عن استماع الحق ، بكم عن التكلم به ، عُمْيٌ عن الإبصار له ، رَوَى ذلك قتادة ، { فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } يعني إلى الإسلام .
تفسير الرازي - (ج 1 / ص 349)
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)
اعلم أنه لما كان المعلوم من حالهم أنهم كانوا يسمعون وينطقون ويبصرون امتنع حمل ذلك على الحقيقة فلم يبق إلا تشبيه حالهم لشدة تمسكهم بالعناد وإعراضهم عما يطرق سمعهم من القرآن وما يظهره الرسول من الأدلة والآيات بمن هو أصم في الحقيقة فلا يسمع ، وإذا لم يسمع لم يتمكن من الجواب ، فلذلك جعله بمنزلة الأبكم ، وإذا لم ينتفع بالأدلة ولم يبصر طريق الرشد فهو بمنزلة الأعمى ، أما قوله : { فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } ففيه وجوه : أحدها : أنهم لا يرجعون عما تقدم ذكره وهو التمسك بالنفاق الذي لأجل تمسكهم به وصفهم الله تعالى بهذ الصفات فصار ذلك دلالة على أنهم يستمرون على نفاقهم أبداً . وثانيها : أنهم لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه ، وعن الضلالة بعد أن اشتروها . وثالثها : أراد أنهم بمنزلة المتحيرين الذين بقوا خامدين في مكانهم لا يبرحون ، ولا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون وكيف يرجعون إلى حيث ابتدأوا منه .
تفسير الألوسي - (ج 1 / ص 184)
لأوصاف جموع كثرة على وزن/ فعل وهو قياس في جمع فعلاء وأفعل الوصفين سواء تقابلا كأحمر وحمراء أم انفردا لمانع في الخلقة كغرل ورتق فإن كان الوصف مشتركاً ولكن لم يستعملا على نظام أحمر وحمراء كرجل أليّ ، وامرأة عجزاء فالوزن فيه سماعي ، والصمم داء في الأذن يمنع السمع ، وقال الأطباء : هو أن يخلق الصماخ بدون تجويف يشتمل على الهواء الراكد الذي يسمع الصوت بتموجه فيه أو بتجويف لكن العصب لا يؤدي قوة الحس فإن أدى بكلفة سمي عندهم طرشاً ، وأصله من الصلابة أو السد ، ومنه قولهم قناة صماء وصممت القارورة . والبكم الخرس وزناً ومعنى وهو داء في اللسان يمنع من الكلام وقيل : الأبكم هو الذي يولد أخرس ، وقيل : الذي لا يفهم شيئاً ولا يهتدي إلى الصواب فيكون إذ ذاك داء في الفؤاد لا في اللسان ، والعمى عدم البصر عما من شأنه أن يكون بصيراً ، وقيل : ظلمة في العين تمنع من إدراك المبصرات ، ويطلق على عدم البصيرة مجازاً عند بعض وحقيقة عند آخرين ، وهي أخبار لمبتدأ محذوف هو ضمير المنافقين أو خبر واحد وتؤول إلى عدم قبولهم الحق وهم وإن كانوا سمعاء الآذان فصحاء الألسن بصراء الأعين إلا أنهم لما لم يصيخوا للحق وأبت أن تنطق بسائره ألسنتهم ولم يتلمحوا أدلة الهدى المنصوبة في الآفاق والأنفس وصفوا بما وصفوا به من الصمم والبكم والعمى على حد قوله :
أعمى إذا ما جارتي برزت ... حتى يواري جارتي الخدر وأصم عما كان بينهما
أذني وما في سمعها وقر ...

Comments
Post a Comment